الاثنين، 30 نوفمبر 2015

سَفير الحُسين (ع) في الكُوفة

سَفير الحُسين (ع) في الكُوفة     
            

 لما كان أهل الكوفة قد كتبوا الى الإمام الحسين (ع) بالقدوم عليهم . . أجابهم في أحد كتبه بما نصه : ( إني باعث إليكم أخي وأبن عمي وثقتي والمفضل من أهل بيتي مسلم بن عقيل ) .
 توجه مسلم بن عقيل الى الكوفة وما أن وصل إليها حتى أتجه الى منزل المختار بن عبيد الثقفي فأقبل إليه الناس يبايعونه حتى بلغ عدد الذين بايعوه حسبما ذكرت المصادر الموثوفة ثمانية عشر ألف رجل . فكتب مسلم الى الحسين (ع) يخبره بذلك ويطلب منه القدوم الى الكوفة .
 بلغ أمر وجود مسلم في الكوفة وذهاب الناس إليه الى مسامع والي الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري . فقام الوالي بدعوة الناس الى التجمع أمام قصر الأمارة وما أن أجتمع الناس قام الوالي بإلقاء خطبة على المحتشدين حذرهم من مبايعة مسلم بن عقيل . بعد إنتهاء الوالي من خطبته . . ذهب عدد من الموالين لبني أمية وأجتمعوا مع الوالي وطلبوا منه إ ستعمال العنف مع الذين بايعو مسلماً . إلا أن الوالي رفض إستعمال القوة . فما كان من هؤلاء إلا أن كتبوا الى يزيد بن معاوية يطالبونه بتعيين والٍ جديد على الكوفة بدل الوالي الأنصاري لكي يتعامل بحزم وعنف مع الموالين لإهل البيت (ع) .
 قام يزيد بتعيين عبيد الله بن زياد والياً على الكوفة إضافة الى ولايته على البصرة التي كان والياً عليها من قبل . فتوجه إبن زياد الى كوفة , وما أن وصل المدينة حتى بدأ يبث جواسيسه بين صفوف المسلمين المنافقين الموالين لمسلم بن عقيل (ع) كما قام بتوزيع أموال طائلة على ضعفاء النفوس لمراقبة تحركات جماعة مسلم الذي كان قد إنتقل الى دار هاني بن عروة وحل ضيفاً عليه . علماً بإن هاني بن عروة كان من أشد الموالين لإهل البيت (ع) .
 وصل خبر وجود مسلم في بيت هاني بن عروة الى عبيد الله زياد فقام إبن زياد بإستدعاء هاني , بعد أن كان هاني قد إمتنع عن الذهاب الى مجلس إبن زياد متظاهراً بالمرض . أضطر هاني بالذهاب الى إبن زياد وما أن وصل حتى فاجأه وقال له ما نصه : ( أتتك بخائن رجلاه تسعى ) ثم قال : ( إيه يا هاني جئت بمسلم بن عقيل فِأدخلته دارك وجمعت له الجموع والسلاح في الدور حولك , وظننت إن ذاك يخفي علي ) !! فأنكر هاني ذلك . . فقام أبن زياد بإستدعاء أحد جواسيسه الذي كان قد إندس من قبل وتمكن من رؤية مسلم بدار هاني بن عروة فحاول هاني إنكار الموضوع ــ جملة وتفصيلاً ــ إلا أن هذا الجاسوس كشف الحقائق . وبعد نقاش طويل رضخ هاني للأمر الواقع وإعترف بوجود مسلم في داره بإعتباره ضيفاً , وأن الضيف لا يمكن إعتذاره .
 طلب أبن زياد من هاني تسليمه مسلماً , فأجابه هاني قائلاً : ( لا والله لا أجيئك به أبداً . . أجيئك بضيفي تقتله ) ؟ !
 كان من جملة الحاضرين في مجلس ابن زياد مسلم بن عمر الباهلي وهو إيضاً من وجهاء الكوفة إلا أنه كان مؤيداً لإبن زياد , فتدخل هذا لدى هاني بن عروة وألح عليه بتسليم مسلم ووعده بإن لا يمسه أي أذى . . فرد عليه هاني بن عروة قائلاً : ( إن عليّ الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح شديد الساعدين كثير الأعوان والله لو لم يكن لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه ) . سمع إبن زياد كلام هاني هذا فقال : ( أدنوه مني فادنوه منه فخاطبه . . . والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك ) . فرد عليه هاني: ( إذا والله تكثر البارقة ــ يعني السيوف ــ حول دارك ) . فقال أبن زياد : والهفاه عليه أبالبارقة تخوفني ؟ ! ثم نادى بإعلى صوته وقد إشتد به الغضب : أدنوه مني ! فأدنوه منه فضربه بالقضيب على وجهه , ثم على رأسه , ثم على كتفيه حتى سالت الدماء على ثيابه ووجهه . ثم أمر بحجزه في إحدى غرف القصر .
 لما بلغ مسلم بن عقيل ما فعله عبيد الله بن زياد بهاني بن عروة نادى أصحابه وكانوا أربعة آلاف رجل , فأجتمعوا فخرج بهم لحرب أبن زياد . وتداعى الناس و إجتمعوا , فتوجه بهم مسلم وحاصر القصر الذي أعتصم فيه ابن زياد . في خضم هذه التطورات قام إبن زياد ببث جواسيسه بين أتباع مسلم , فقام هؤلاء بإشاعة الفوضى و إثارة الرعب والخرف بين صفوف أنصار مسلم وأشاعوا بإن جيشاً جراراً قد توجه من الشام نحو الكوفة لسحق مسلم فأنصرف معظمهم , ولم يبق منهم معه سوى ثلاثين شخصاً . . لم تمض مدة قصيرة حتى إنصرف هؤلاء أيضاً . ولما رأى مسلم أنه بقي وحيداً لا يدري ماذا يفعل , إتجه الى أحد أزقة الكوفة , فجاء الى أحد الدور وطرق بابها فخرجت له إمرأة يقال لها ( طوعة ) فطلب منها قليلاً من الماء فجاءت به ثم أغلقت باب دارها . . ثم غادرت مرة أخرى لقضاء حاجة لها , فرأت مسلماً لا يزال جالساً في باب الدار . . فخاطبته يا عبد الله ألم تشرب الماء ؟ قال : بلى فقالت : إذهب الى أهلك . فسكت مسلم . ثم قالت له مرة أخرى نفس الكلام . فسكت مسلم أيضاً . . إلا أنه سرعان ما تكلم فقال : يا أمة الله مالي في هذا المصر أهل ولا عشيرة فهل لك في أجر معروف ولعلي مكافئتك بعد هذا اليوم ؟ فقالت : وما ذاك ؟ فقال : أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم وغروني وأخرجوني . فقالت المرأة : أنت مسلم ؟ فقال : نعم . . فأدخلته دارها وأفرغت أحدى غرف الدار له , في الليل جاء أبن هذه المرأة فشاهد أمه تكثر الدخول والخروج الى تلك الغرقة . فسألها عن ذلك . فلم تعر لكلامه شيئاً إلا أنه ألح عليها فطلبت منه أن يعطيها الأمان إن قالت له عن الخبر . فوعدها . . فأخبرته عن وجود مسلم بن عقيل في الدار . وما أن أصبح الصباح ذهب هذا الرجل الى عبد الرحمن بن الأشعث فأخبره بوجود مسلم في داره .
 وفي هذه الأثناء وصل الخبر الى عبيد الله بن زياد فطلب هذا بإن يجلب إليه مسلم ــ حالاً ــ وقام بإرسال عبيد اله بن العباس السلمي , مع سبعين مقاتلاً , فجاء هؤلاء الى الدار , فلما سمع مسلم وقع حوافر الخيل وأصوات الجند علم بإنهم جاؤوا للقبض عليه . فأخرج سيفه وقاتلهم قتالاً شديداً فتمكن من قتل العشرات منهم . فلما رأى عبيد الله السلمي تطور الموقف طلب نجدة سريعة فوصله مائة رجل على الفور . فقام هؤلاء بمهاجمة مسلم من فوق السطوح بالحجارة والسهام حتى أصابوا مسلماً بجروح كثيرة , وأستمر مسلم بمحاربة أعوان إبن زياد حتى تمكن من قتل خمسة وعشرين رجلاً آخرين . فبلغ مجموع ما قتل من أعوان إبن زياد سبعين رجلاً , فأنهكت قواه ولم يعد قادراً على الإستمرار في مقاتلة الأعداء ثم قام محمد بن الأشعث وكان أحد قادة المهاجمين بإعطاء الأمان لمسلم إلا أن مسلماً أجابه بإنه لا أمان للكفرة الغادرين . وبعد أن أثخن بالجراح أنشد قائلاً :
أقسمت لا أقتل إلا حراًوإن رأيت الموت شيئاً نكراً
أكره أن أخدع أو أغراأو أخلط البارد سخناً مرا
رد شعاع الشمس فأستقراكل إمرى يوماً ملاق شرا
أضربكم ولا أخاف شراً

 بعد أن شاهد الأعداء قوة بأس مسلم وشجاعته العظيمة هجموا عليه هجمة واحدة وتمكنوا من إلقاء القبض عليه . فجيئ به الى عبيد الله بن زياد فأمر أبن زياد بضرب عنقه ورميه من أعلى القصر .
 إنتهت حياة هذا المجاهد المغوار بعدما أدى الذي عليه في سبيل نصرة الحسين (ع) والدعوة له . . إلا أن تخلي أهل الكوفة عنه وغدرهم به هو الذي جعله يصبح وحيداً فريداً غريباً في تلك الديار . ولكنه لم يعط نفسه الأبية بسهولة بل جاهد في سبيل الله حق جهاده ولم يلن أمام الأعداء . فذهب شهيداً مضرجاً بدمائه الطاهرة فداءً للحسين (ع) ولمبادئ ثورته السامية .
 هنا وجب علينا أن نذكر باعتزاز بالغ ذلك الموقف المشرف الذي وقفته تلك المرأة المجاهدة التي آوت مسلم بن عقيل (ع) بعد أن غدر به أولئك الرجال ذو الشوارب الغليظة والهامات العريضة . والقامات الفارغة إلا أن عقولهم كانت فارغة ورجولتهم ناقصة , بعكس تلك المرأة المناضلة التي وقفت ذلك الموقف البطولي تجاه الشهيد مسلم بن عقيل (ع) فجزاها الله عن الإسلام خير الجزاء . 

المصدر:هذا الحسين-سعيد رشيد زميزم .

لماذا أخذ الحسين عليه السلام كل إخوته الى معركة الطف؟

لماذا أخذ الحسين عليه السلام كل إخوته الى معركة الطف؟           
        

 لنعش وقبل كل شئ معاً شيئاً من أجواء واقعة الطف، فقد أخرج الحسين عليه السلام إخوته، ولم يكن فيهم شقيق له أبدا، وكانوا تسعة كلهم لأبيه، وقتلوا كلهم معه .
 والسؤال هنا : ما هذا ألإصرار من الحسين عليه السلام على إخراج هذه المجاميع من أهله مع علمه بأنهم سوف يقتلون، وقد أخبره النبي صلى ألله عليه وآله وسلم بذلك ؟ وهل إن هذا إنتحار جماعي ؟ إنه عليه السلام يعلم أن هؤلاء لن يغيروا في المعادلة شيئا، لأن عدد الجيش في الطف كان ثلاثين ألفا على أقل الروايات، وإلا فهناك روايات تقول : إنه كان سبعين الفا أو مئة ألف أو أكثر . فما هي دوافع الحسين عليه السلام لهذا ألإصرار على أن يقتل اهل بيته عن بكرة أبيهم ؟ هناك عدة اسباب منها :
 السبب ألأول : أنه عليه السلام اراد لجذوة التضحية الهاشمية ألا تنطفئ
 فالمعروف أن أكثر ألاسر تضحية لهذه الرسالة هم الهاشميون، وقد حمل التيار الهاشمي عبء الدعوة، وقدم لها القرابين والتضحيات . وقد أراد الحسين عليه السلام أن يبقى رافد التضحية فيهم مستمرا : «والحمل الثقيل أهله أحق بحمله» . كما أنه عليه السلام أراد لهذه الجذوة التي أشعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الا تنطفئ .
 وقد لمّحت لهذا المعنى في قصيدتي التي قلتها في رثاء ضحايا مدينة قانا التي حدثت فيها مجزرة على يد اليهود . ونحن نعرف أن في مدينة قانا اولاد ابي ذر الغفاري، وهو يشكل رافدا من تيار علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث قلت :
يا بنت جندب يا أعناق ما برحتمع المُدى منذ ألف وهي تنتصب
تنشأت في وعاء داف تربتهأبو تراب الذي للصاعدات أب
توشحت بألإباء المر وإعتجرتبالحق وإعتقدت هذا هو الغلب
كم سامها الضغط وألإغراء لوّح بالـــنعمى فما لان يوما عودها الصلب
سجية من فرات الطف يحملها ألـــثوار فهي على أخلافهم لقب

 إنه تيار التضحية والعطاء الذي تركه رسول ألله صلى ألله عليه وآله وسلم واهل بيته عليهم السلام، واراد الحسين عليه السلام أن يقول لغيره : لا تقولوا إن الحسين نحّى أولاده وأهل بيته عن الخطر والقتل وقدم غيرهم . إنني سوف أقدم أهلي قبل غيرهم .
 وهذا عين ما لاحظناه في المباهلة، حيث اخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أغلى ما عنده من أهل بيته، وهم علي وفاطمة والحسنان عليهم السلام، فإن وقع مكروه وقع على هؤلاء .
 السبب الثاني : تضميخ هذه الجذوة بخصائص أهل البيت عليهم السلام 
 فالحسين عليه السلام أراد أن يقدم في التضحية نماذج فيها خصائص أهل البيت عليهم السلام . ونحن نعرف أن هناك من يقاتل بدافع الحمية ـ كأن يكون في موقف يستحي فيه أن يتراجع ـ فيموت، وهناك من يقاتل بظروف خارجية مفروضة عليه، أما أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهم مندفعون بذاتهم، يقول العباس :
والله إن قطعتم يمينيإني أحامي أبدا عن ديني
وعن إمام صادق اليقيننجل ألإمام الطاهر ألأمين(1)

 إنه عليه السلام يدافع عن دينه وعقيدته وفكرة ألإمامة المتجسدة في هذا الشخص الشريف . فأراد الحسين عليه السلام أن يقدم نموذجا واضحا يمثل خصائص الرسالة التي بُعث بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دفع الظالم ومقاومة العدوان .
 السبب الثالث :البرهنة على أن ألإيمان يقهر الطبع والتطبع
 فالحال السائد في مجتمعاتنا أن ألأبناء غير ألاشقاء يكونون عادة غير منسجمين بشكل كامل مع بعضهم، أما الحسين عليه السلام فأراد بذلك أن يضرب هذه القاعدة التي إعتدنا عليها، ويوضح لنا أن هؤلاء إن تربوا على ألإيمان، وأُشركوا في حمل الرسالة وإنخرطوا في تيار موحّد، فإن كل العقبات ستتلاشى .
 وقد بلغت المودة والتلاحم بين أهل البيت عليهم السلام في الطف أشدها، وهذا دليل على أن ألإيمان يمكن أن يسيطر على التربية والغرائز وألأساسيات كلها .
 لقد أخرج الحسين عليه السلام يوم الطف تسعة من إخوته كلهم لعلي :
 أربعة لأم البنين (رضي ألله عنها )، وهم العباس، جعفر، عبدألله وابو بكر .
 وعمر ألأطرف وأمه الصهباء التغلبية، الذي تقول جملة من الروايات عنه : إنه قتل يوم الطف .
 ومحمد ألأصغر واخوه، وأمهما ليلى بنت مسعود الدارمية النهشلية التميمية .
 والثامن عون، وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية .
 والتاسع محمدألأوسط، وأمه أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع التي تزوجها أمير المؤمنين بعد وفاة الزهراء عليها السلام مباشرة بوصية منها (سلام ألله عليها )، فقد قالت له : «يا علي، لابد للرجال من النساء، فإن أردت أن تتزوج بعدي فعليك بإبنة أختي أمامة، فإنها تكون لولدي مثلي، ومع ذلك إجعل لها يوما وليلة وللحسنين يوما وليلة، ولا تصح في وجهيهما، ولا تنهرهما فإنهما يصبحان يتيمين منكسرين، بألأمس فقدا جدهما واليوم يفقدان أمهما » (2). وتزوجها فعلا فولدت له محمدا ألأوسط الذي قتل مع الحسين عليه السلام .
 لكن هؤلاء لم يأخذ مصرعهم أثرا منه يوم الطف كما أخذ العباس عليه السلام ذلك ألأثر منه في مصرعه، ويقول المؤرخون : لما سقط العباس بان ألإنكسار في وجه الحسين عليه السلام (3). ولما سقط صريعا وقف عليه الحسين عليه السلام، ولم يكن العباس يرى، لأن إحدى عينيه جمد عليها الدم، وألأخرى نبت بها السهم ولا يد عنده فيمسح بها الدم عن وجهه، فأحس فأحس بالحسين عليه السلام وهو في لحظاته الأخيرة فقال للحسين عليه السلام : إدنُ مني أُقبّلك وأشمك . فوضع فمه على فمه وراح يقبله إلى أن فاضت روحه الطاهرة ، ورحم ألله السيد جعفرا إذ يقول :
قد رام يلثمه فلم ير موضعالم يدمه حر السلاح فيلثم
أأُخي يهنيك النعيم ولم أخلترضى بأن أشقى وأنت منعم


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح ألأخبار 3 : 192 ، مناقب آل أبي طالب 3 : 256 ، ينابيع المودة 3 : 68 .
(2) معاني ألأخبار : 356 / 1 ، السقيفة وفدك : 147 ، شرح ألأخبار 2 : 160 / 492 .
(3) شجرة طوبى 2 : 299 ، فقال عليه السلام : «ألآن إنكسر ظهري ».

المصدر:المرأة في ألإسلام ـ من محاضرات الدكتور الشيخ أحمد الوائلي - اعداد مصطفى آل مرهون

سأقول لبابا . . . الـوَيلُ لـَكَ إذا لــَمـِسـتَ هـَذا . . . كلمات لا تقولوها أبداً

سأقول لبابا . . . الـوَيلُ لـَكَ إذا لــَمـِسـتَ هـَذا . . . كلمات لا تقولوها أبداً     
           

 تعرفون طبعاً أولئك الأمهات اللواتي لا بفرضن سلطتهن ونفوذهن إلا عند فرض العقاب . يقلن للولد: ( سترى عندما يأتي بابا ! )، فيتركن بذلك دور فارض القانون والعقاب للوالد الذي غالباً ما تقتصر علاقته بأولاده على التوبيخ والتأنيب في المساء بعد عودته من العمل . وتكون نتيجة هذه المناورة أن الطفل يعتبر أن لا أحد يحبه، لا أبوه، الذي يوبخه ولا أمه، التي تشي به .
سلطة الغائب 
 من الصعب التخلي عن هذه الطريقة التربوية الحمقاء إنما العملية صعبة جداً عندما تنقصنا الوسائل لفرض الطاعة .
 في الواقع، لا يقتصر فقط على علاقة الأهل بأولادهم فالسائق مثلاً الذي يتجاوز دائماً حدود السرعة المسموح بها يعرف بأن الخطر الذي يواجهه، لكن هذا لا يمعنه من زيادة الضغط على دواسة السرعة . ففي النهاية، ما هي إلا إحتمالات أن يعاقب لتجاوزه حدود السرعة ؟ كل شيء في الحياة مسألة حظ، أليس كذلك ؟ عبارة ( الويل لك . . . )هي مجرد تنبيه أو تهديد وليس عقاباً حيث أن الشخص الذي يفترض به تنفيذ العقاب ليس موجوداً . إنها مجرد إشارة على قارعة الطريق تحميل تحديداً للسرعة . وفي أغلبية الأحيان، عندما يعود الأب الى البيت لا ينفذ بالضرورة التهديد الذي أطلقته الأم . لماذا عليه أن يعاقب الولد؟ وهكذا يصبح العقاب الذي أعلنته الأم توبيخاً ينقصه الحزم والجديّة، لا سيّما إذا فضل الأب الجلوس أمام التلفزيون والتخلي عن واجبه في فرض سلطته. كثيراً مالا ينفذ التهديد فيتعلم الولد أن مخالفة القواعد والقوانين لاتأتي عليه تلقائياً بالعقاب . ويمكنه أن يسمح لنفسه في المستقبل بارتكاب بعض التجاوزات في السرعة وراء مقود سيارته الأولى، أن قيادة السيارة بعد تناول الكحول، بإختصار، قد يتصرف بما فيه جهل أو رفض للقواعد الأسياسية التي تسود الحياة الإجتماعية، وهذا أمر تندد به السلطات العامة من خلال حملات إعلامية ضخمة على التلفزيون ؟ هنا أيضاً، تعتبر سلطة الدولة تهديداً من دون نتيجة .
 إننا نخوض كالعادة المعركة الخاطئة . وبدلاً من الإنقضاض على سبب المشكلة، ننقض على أعراضها التي هي في النهاية مجرد عواقب ناتجة عنها . يكمن اصل المشكلة في التواصل اللفظي وغير اللفظي الذي يدور بين أفراد الأسرة . فإذا علمنا الأهل أن يفكروا قبل أن يحذرّوا ويهددّوا ويعاقبوا؛ وإذا فتحت السلطات العامة مدارس للتفكير حول تربية الأهل لأولادهم منذ صفوف الروضة، قد يشعر الجيل القادم بمزيد من المسؤولية والإحترام حيال المجتمع الذي يعيش فيه . . . وقد يسبب هذا عدداً أقل من حوادث السير .
كفى تهديدات !
 يجب أن يكون العقاب فورياً وألا يؤجل الى إشعار غير مسمى . فعبارة مثل ( أحذرك بأنني لن أتوانى عن ضربك على مؤخرتك إذا أستمريت بإزعاجي ) تعلم الولد أن العقاب آتٍ لا محال . من الضروري ربط القصاص بالتصرف السيء غير المرغوب به . يعتبر الطفل العقاب المؤجل ظلماً بحقه . ويشبه الأمر قليلاً غرامة السير الذي تضطرون الى دفعها أشهر بعد المخالفة ! لكل عقاب يرتبط مباشرة بالمخالفة قيمة تربوية أكيدة . تذكروا هذه القاعدة !

المصدر: كلمات نقتل بها أولادنا .... لا تقولوها أبداً ... جوزيف وكارولين ميسينجر ترجمة أفيرا عون

الدور ألسياسي للأب ألإنسان والسياسة :

الدور ألسياسي للأب    
               
ألإنسان والسياسة :
 لو قلنا أن السياسة هي الطريقة ، وأن علم السياسة يقوم بدراسة العلاقات المتبادلة بين الناس والجهاز الحاكم وأخذنا بنظر ألإعتبار في نفس الوقت الجاني ألإجتماعي للإنسان ، لأضطررنا إلى ألإعتراف بأن ألإنسان يمثل كائناً سياسيا . إن المجتمعات تدار وفق ضوابط وقوانين معينة حيث على كل عضو في المجتمع أن ينتخب منهجا وأسلوبا لحياته الفردية والجماعية ينسجم مع إرادة المجتمع ، مما يدفع ألإنسان لممارسة السياسة . وقد وصف ألإنسان بأنه حيوان سياسي ، وإن كان هذا الوصف لا يناسب ألإنسان في بعده الحيواني إلا أنه صحيح في بعده السياسي . فلا يوجد من لا يملك رأيا أو موقفا إزاء القانون والحرية والحزب والتنظيم والعلاقات الداخلية والخارجية والحرب والسلم ومدوني القوانين وغيره وهذه كلها أبعاد سياسية . فألإنسان سياسي بطبعه مهما كلن موقعه وظرفه ومستوى نموه وتكامله ، ولا تقتصر معاطاة السياسة على ثلة قليلة كتلك التي تدير أمور المجتمع وتحكم ، وذلك لأن البعد السياسي يعتبر من ضروريات الحياة ألإجتماعية .
السياسة والتربية :
 لا يمكن للتربية أن تكون بعيدة عن السياسة وإيجاد ألإستعداد عند الفرد ليكون مواطنا صالحا في علاقاته ، ما دامت أنها (أي التربية) تعني تحقيق تغيير في جميع ألأبعاد الوجودية ، وأنها وسيلة للبناء . ولا بد أن تقوم التربية بدورها طالما كان الهدف هو تبني ألأشخاص موقفا معينا في عالم الوجود حيال الحياة الجماعية ونوعها وطريقة الحكم وإدراة المجتمع .
 لا بد أن نعترف أن الشخصية ألإنسانية تتأثر بالمحيط ألإجتماعي وخاصة ألأسرة ، وأن ألأب هو الذي يعلم ولده كيفية إتخاذ المواقف المناسبة في الحياة السياسية وألإتصاف بخصائص معينة إزاء مختلف الحقائق . ينبغي للأب أن ينشئ ولده سياسيا ويوضح له معنى الحكومة وضرورتها ، وكيف يتعامل مع القانون ؟ وماذا تعني الحرية ؟ وكيف يجب أن تكون ؟ وأن يدفعه للإهتمام بمختلف ألأحداث فلا يكون لا مباليا إزاءها . والشيء المهم في التربية السياسية هو أن يدرك ألأطفال بمستوى فهمهم ، مواقعهم في هذا العالم ودورهم في المجتمع ألإنساني ، والمواقف التي ينبغي أن يتخذوها إزاء القائمين على شؤون مجتمعهم وألأحداث المختلفة التي يشهدونها .
معرفة العالم و الانظمة : 
 يرتبط جانب من مسؤولية ألأب ـ بلا شك ـ بتعريف ولده بهذا العالم والدول والشعوب والحكومات المختلفة . حيث يجب أن يقوم تدريجيا بتوعيته بهذه الأمور وذلك بما يتلاءم مع مستوى الطفل وسنه وفهمه وإدراكه . إننا نعرف أنه توجد أنظمة مختلفة على هذه الكرة ألأرضية حيث تتعدد المناصب في درجاتها لتشمل الرئيس والوزير والمساعد والمدير ، وتختلف الدساتير والقوانين والبرلمانات وألأجهزة التنفيذية كالشرطة مثلا وغير ذلك . إننا لا نقصد من خلال ذلك تدريس الطفل مادةالحقوق والسياسة وتعريفه بجميع التفاصيل ، ولكن يكفي أن نوفر له نظرة إجمالية عامة عن هذه ألأمور خاصة في مرحلة نشوئه ، وأن يلم بشيء من هذا العالم وما يجري فيه وبالخصوص مجتمعه الذي يعيش فيه وحكومته وألأحداث التي يشاهدها ويلمسها .
القانون والتقنين :
 لا يمكن إنكار الحقيقة التي تقول بأن جميع المجتمعات بحاجة إلى القانون لإدارة أمورها . وقد يكون هذا القانون وضيعا أو إلهيا . فعلى الجميع أن يتبعوا قانونا معينا سواء كان جيدا أو سيئا . والشيء المهم هو أن يربي ألأب ولده على إحترام القانون ألإلهي وألإيمان به وتطبيقه . ولا بد أن يشعر الطفل بقدسية القانون وضرورة الدفاع عنه . وفي مجال التقنين ينبغي للطفل أن يحترم شخصية المقنن ويدرك إنه لا يمكن لأي شخص أن يتمتع بهذا الحق . فالمقنن لا بد أن يكون صادقا ونزيها وأمينا يريد الخير للآخرين ، وأن يتم التأكيد على إنسانيته وخلقه وتقواه . وحري بألأب أن يوضح لولده عمليا إحترامه للقانون وفائدته ونفعه وذلك من خلال تصرفاته وسلوكه اليومي حتى يشعر الطفل بحاجته للقانون فيلتزم به ويضحي من أجله .
ألأسقتلال والحرية :
 يجب على ألأب أن يربي ولده على حب ألإستقلال والحرية حيث توجد في أعماق الطفل ألأرضية الفطرية لتقبلهما ، وأن يوضح له حدود الحرية حتى يعلم بأنها مقيدة . وعلى الولد أن يعرف ما هي حدود حريته والسبب في تقييدها ، وألآثار والنتائج السيئة للحريات المطلقة ، والمصاعب التي ستلحق بألآخرين وبه أيضا فيما لو أراد الناس التصرف كيفما يشاؤون . وتربويا فإنه من الضروري جدا أن نفسح المجال للطفل ليمارس حريته المشروعة .
 وفي موضوع ألإستقلال ، يجب أن نوفر ألأرضية المناسبة ليستقل الطفل تدريجيا في حياته ويقلل إعتماده على والديه بنسبة فهمه وإستعداده ونشوئه وإستطاعته وينبغي أن نساعده ليقف على قدميه حتى تزول حاجته إلى والدته وبالتدريج في فرش فراشه مثلا أو غسل جواربه ومنديله . ومن الضروري أن يدرك الطفل أهمية إستقلال المجتمع والحياة الحرة الكريمة ، وأن يعشق هذا المفهوم إلى درجة يكون مستعدا للتضحية من أجله بماله ونفسه .
العلاقات القومية والدولية :
 ينبغي للأب أن يربي ولده ليكون منسجما مع أعضاء مجتمعه فيشعر بضرورة حب الناس ويطلب الخير لهم ، وأن يرسخ فيه روح التفاهم وألإيثار والصبر والعمل وخدمة مجتمعه والبشرية .
 أما في المجال الدولي ، فلا بد أن يربى الطفل على روح التفاهم وألإيثار ، وحب الناس ومبدأ ألأخوة والسلام ، والنظرة العالمية (ألأممية) بدلا من النظرة القومية . وأن يعرف بأن المسلمين هم إخوة له وأن يراعي العدل وألإنصاف مع جميع الذين يعيشون في مناطق العالم المختلفة . و عليه أن يكون نصيرا للمظلومين وخصما للظالمين ومغيثا للمحرومين ومعينا لهم . وأن يتقرب ممن يحترم ألإنسان وألأخلاق ويعادي الذين يحاولون إستعمار الشعوب ويستكبرون عليهم .
المواطن والقائد :
 تقع على ألأب مسؤولية بناء الولد ليكون في كبره مواطنا صالحا في المجتمع ، مطيعا للدولة وقوانينها ، وقائدا جيدا لو أنيطت به مسؤولية معينة . وعليه أن يكون متهيئا لقبول المسؤولية عندما يجد في نفسه الكفاءة وأن يستلم المنصب عندما يشعر بقدرته على خدمة الناس لا أن يكون عبدا للمال والمنصب والشهرة فيجلب لنفسه وشعبه الويلات .
 إننا لا نربي أطفالنا على حب الوطن بالمعنى الذي يفهمه القوميون . إننا لا نربي أطفالنا ليرتبطوا بدولة معينة فقط أو بمجتمع خاص ، بل نربيهم من أجل المجتمع ألإنساني ، ولا نهدف من خلال ذلك أن نحدد المصالح البشرية في أطر ضيقة ، بل نسعى لإحترام البشرية وحقوقها وأن نقدم لها هداة ومرشيدن . إننا لا نربي مواطنين فقط ، بل شخصيات عالمية تطمح بحل مشكلات العالم فيما لو تمكنت من ذلك .
التدريب العسكري والدفاع :
 إن التدريب العسكري وتعلم فنون الحرب يمثل جانبا مهما في التربية السياسية ، ويريد ألإسلام من كل إنسان أن يدافع عن حقوقه وكرامته ومجتمعه ، ويقف بوجه الكفار وألأعداء ويكون مستعدا للتضحية بنفسه من أجل الحق . ويؤكد التدريب العسكري ـ وهو من أجل الدفاع ـ على ضرورة أن يتعلم الطفل السباحة والرماية والفروسية ، وأن يتهيأ ويستعد للدفاع عن نفسه حسب الظرف التي يعيشها ، وهذا ما كان ساريا في صدر ألإسلام وخاصة في عهد الرسول ألأكرم (ص) .
 فقد أوجب ألإسلام على المسلمين ألإستعداد من أجل الدفاع ، بل أوجبه على المرأة أيضا ، ولا يستطيع أي شخص أن ينكر أهمية ذلك . ويذهب القرآن الكريم إلى أبعد من ذلك عندما يؤكد أن ألإستعداد لا بد أن يقذف الرعب والخوف في قلوب ألأعداء حتى لا يتجرأوا في ألإعتداء على المسلمين .
دور الاب : يجب على ألأب أن يكون القدوة الصالحة في التربية السياسية ، فهو لا يمثل مصدر القوة لطفله بل يعتبر أيضا القدوة له في العمل بوظيفته ويرسم له الطريق المناسب للقيام بهذه المسؤولية . فالطفل ينظر إلى ابيه على أنه المقنن والقائد والقدوة في الجرأة والشهامة ، وأن ما يقوم به ألأب يعتبر درسا للطفل يتعلم منه الموقف وألأسلوب والمنهج في التربية السياسية .
 إن حب ألأب للناس ونظرته للحرية وألإستقلال والجهاد والنضال في سبيل الوصول إلى الهدف والدفاع عن الحق والحقيقة والمظلومين ومجاهدة الباطل ، تمثل دروسا سياسية للطفل مما يستوجب على ألأب أن يحذر كثيرا في هذا المجال .
 يجب أن يشاهد الطفل رغبة ألأب وميله نحو القضايا السياسية وما يرتبط بمجتمعه والبشرية جمعاء . ولذا فمن الضروري أن يلتزم بالمشاركة في النشاطات ألإجتماعية ليكون مواطنا صالحا أو قائدا يقتدى به من أجل حياة إسلامية . وإن أي تسامح يؤدي إلى جهل الطفل بألأمور السياسية .

المصدر:دور الاب في التربية - للدكتور علي القائمي .